فصل: تفسير الآيات (105- 106):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (93):

{وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)}
قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ} أي منزل صدق محمود مختار، يعني مصر.
وقيل: الأردن وفلسطين.
وقال الضحاك: هي مصر والشام. {وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ} أي من الثمار وغير ها.
وقال ابن عباس: يعني قريظة والنضير واهل عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بني إسرائيل، فإنهم كانوا يؤمنون بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وينتظرون خروجه، ثم لما خرج حسدوه، ولهذا قال: {فَمَا اخْتَلَفُوا} أي في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ} أي القرآن، ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والعلم بمعنى المعلوم، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، قاله ابن جرير الطبري. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} أي يحكم بينهم ويفصل. {يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} في الدنيا، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.

.تفسير الآيات (94- 95):

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95)}
قوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ} الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد غيره، أي لست في شك ولكن غيرك شك. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: سمعت الإمامين ثعلبا والمبرد يقولان: معنى {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ} أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك {فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ} أي يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فأسأل من أسلم من اليهود، يعني عبد الله بن سلام وأمثاله، لان عبدة الأوثان كانوا يقرون لليهود أنهم أعلم منهم من أجل أنهم أصحاب كتاب، فدعاهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أن يسألوا من يقرون بأنهم أعلم منهم، هل يبعث الله برسول من بعد موسى.
وقال القتبي: هذا خطاب لمن كان لا يقطع بتكذيب محمد ولا بتصديقه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل كان في شك.
وقيل: المراد بالخطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا غيره، والمعنى: لو كنت يلحقك الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لا زالوا عنك الشك.
وقيل: الشك ضيق الصدر، أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر، واسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك يخبروك صبر الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف عاقبة أمرهم. والشك في اللغة أصله الضيق، يقال: شك الثوب أي ضمه بخلال حتى يصير كالوعاء. وكذلك السفرة تمد علائقها حتى تنقبض، فالشك يقبض الصدر ويضمه حتى يضيق.
وقال الحسين بن الفضل: الفاء مع حروف الشرط لا توجب الفعل ولا تثبته، والدليل عليه ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لما نزلت هذه الآية: «والله لا أشك»- ثم استأنف الكلام فقال: {لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ} أي: الشاكين المرتابين. {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ} والخطاب في هاتين الآيتين للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد غيره.

.تفسير الآيات (96- 97):

{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97)}
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ} تقدم القول فيه في هذه السورة. قال قتادة: أي الذين حق عليهم غضب الله وسخطه بمعصيتهم لا يؤمنون. {وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} أنث {كلا} على المعنى، أي ولو جاءتهم الآيات. {حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ} فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم.

.تفسير الآية رقم (98):

{فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98)}
قوله تعالى: {فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ} قال الأخفش والكسائي: أي فهلا.
وفي مصحف أبي وابن مسعود {فهلا} واصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره. ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وهو بحسب المعنى متصل، لان تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس. والنصب في {قَوْمَ} هو الوجه، وكذلك أدخله سيبويه في باب مالا يكون إلا منصوبا. قال النحاس: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} نصب لأنه استثناء ليس من الأول، أي لكن قوم يونس، هذا قول الكسائي والأخفش والفراء. ويجوز. {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ}
بالرفع، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قاله أبو إسحاق الزجاج قال: يكون المعنى غير قوم يونس، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعد ها بإعراب غير، كما قال:
وكل أخ مفارقه أخوه ** لعمر أبيك إلا الفرقدان

وروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين: أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا، فقيل: إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل، وقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوج وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، وردوا المظالم في تلك الحالة.
وقال ابن مسعود: وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده، والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل. وروي على ميل. وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم.
وقال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب.
وقال الطبري: خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين.
وقال الزجاج: إنهم لم يقع بهم العذاب، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الايمان. قلت: قول الزجاج حسن، فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك، وقوم يونس تابوا قبل ذلك. ويعضد هذا قوله عليه السلام: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». والغرغرة الحشرجة، وذلك هو حال التلبس بالموت، وأما قبل ذلك فلا. والله أعلم. وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود، أن ويونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد، وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب. وسيأتي مسندا مبينا في سورة والصافات إن شاء الله تعالى. ويكون معنى {كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ} أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة، وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص، والله أعلم. وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الحذر لا يرد القدر، وإن الدعاء ليرد القدر. وذلك أن الله تعالى يقول: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا}. قال رضي الله عنه: وذلك يوم عاشوراء. قوله تعالى: {وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ} قيل: إلى أجلهم، قاله السدي.
وقيل: إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار، قاله ابن عباس.

.تفسير الآية رقم (99):

{وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)}
قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} أي لاضطرهم إليه. {كُلُّهُمْ} تأكيد ل {مَنْ}. {جَمِيعاً} عند سيبويه نصب على الحال.
وقال الأخفش: جاء بقوله جميعا بعد كل تأكيدا، كقوله: {لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل: 51] قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حريصا على إيمان جميع الناس، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول.
وقيل: المراد بالناس هنا أبو طالب، وهو عن ابن عباس أيضا.

.تفسير الآية رقم (100):

{وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100)}
قوله تعالى: {وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} {ما} نفي، أي ما ينبغي أن تؤمن نفس إلا بقضائه وقدره ومشيئته وإرادته. {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ} وقرأ الحسن وأبو بكر والمفضل {ونجعل} بالنون على التعظيم. والرجس: العذاب، بضم الراء وكسرها لغتان. {عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} أمر الله عز وجل ونهيه.

.تفسير الآية رقم (101):

{قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101)}
قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع والقادر على الكمال. وقد تقدم القول في هذا المعنى في غير موضع مستوفى. {وَما تُغْنِي} {ما} نفي، أي ولن تغني.
وقيل: استفهامية، التقدير أي شيء تغني. {الْآياتُ} أي الدلالات. {وَالنُّذُرُ} أي الرسل، جمع نذير، وهو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} أي عمن سبق له في علم الله أنه لا يؤمن.

.تفسير الآية رقم (102):

{فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102)}
قوله تعالى: {فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ} الأيام هنا بمعنى الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعهم. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغير هم. والعرب تسمي العذاب أياما والنعم أياما، كقوله تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ}. وكل ما مضى لك من خير أو شر فهو أيام. {فَانْتَظِرُوا} أي تربصوا، وهذا تهديد ووعيد. {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} أي المتربصين لموعد وربي.

.تفسير الآية رقم (103):

{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)}
قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا} أي من سنتنا إذا أنزلنا بقوم عذابا أخرجنا من بينهم الرسل والمؤمنين، و{ثُمَّ} معناه ثم اعلموا أنا ننجي رسلنا. {كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا} أي واجبا علينا، لأنه أخبر ولا خلف في خبره. وقرأ يعقوب. {ثُمَّ نُنَجِّي} مخففا. وقرأ الكسائي وحفص ويعقوب. {ننجي المؤمنين} مخففا، وشدد الباقون، وهما لغتان فصيحتان: أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد.

.تفسير الآية رقم (104):

{قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104)}
قوله تعالى: {قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ} يريد كفار مكة. {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} أي في ريب من دين الإسلام الذي أدعوكم إليه. {فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الأوثان التي لا تعقل. {وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أي يميتكم ويقبض أرواحكم. {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي المصدقين بآيات ربهم.

.تفسير الآيات (105- 106):

{وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106)}
قوله تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} {أَنْ} عطف على {أَنْ أَكُونَ} أي قيل لي كن من المؤمنين واقم وجهك. قال ابن عباس: عملك، وقيل: نفسك، أي استقم بإقبالك على ما أمرت به من الدين. {حَنِيفاً} أي قويما به مائلا عن كل دين. قال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه:
حمدت الله حين هدى فؤادي ** من الاشراك للدين الحنيف

وقد مضى في الأنعام اشتقاقه والحمد لله. {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أي وقيل لي ولا تشرك، والخطاب له والمراد غيره، وكذلك قوله: {وَلا تَدْعُ} أي لا تعبد. و{مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ} إن عبدته. {وَلا يَضُرُّكَ} إن عصيته. {فَإِنْ فَعَلْتَ} أي عبد ت غير الله. {فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ} أي الواضعين العبادة في غير موضعها.

.تفسير الآية رقم (107):

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)}
قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} أي يصبك به. {فَلا كاشِفَ} أي لا دافع {له إلا هو وإن يردك بخير} أي يصبك برخاء ونعمة. {فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ} أي بكل ما أراد من الخير والشر. {مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ} لذنوب عباده وخطايا هم {الرَّحِيمُ} بأوليائه في الآخرة.